Aug 5 2016

نويشاتيل: تلك المدينة الفاتنة
المزهوة بالألوان وسط العاصفة

بالنسبة إلى القادم من مدينة لا تغيب عنها الشمس معظم أيام السنة، تعرف بفصولها الأربعة ومناخها المعتدل، قد يفاجئه المطر المتساقط بغزارة، في عزّ يونيو، منذ اللحظة التي حطّت فيها الطائرة على مدرج مطار زوريخ وطوال الطريق من عاصمة الصيرفة والمال السويسرية إلى مدينة نويشاتيل.

ليست غزارة الأمطار وحدها تصدم السائح، بل كذلك كثافة الغيوم المتلبّدة في سماء المدينة الهادئة والهانئة على امتداد بحيرة نويشاتيل.

تخاف، تضطرب وأنت تنظر على مدى ساعتين من الزمن من نافذة السيارة التي تقلّك إلى الفندق، فلا ترى سوى الضباب، وزخات المطر التي تداعب الزجاج. يخيّب الطقس آمالك. يزيد من توتّرك لتسأل نفسك عمّا ينتظرك في اليومين المقبلين.

ما أن تلج قلب المدينة، حتى تتبدّد جميع مخاوفك شيئاً فشيئاً، لتزول نهائياً لحظة تتوقف السيارة عند ضفاف البحيرة أمام مدخل فندق بوريفاج. في تلك اللحظة بالذات، تجتاحك الرغبة في إدخال أمتعتك، بل تركها عند الكونسييرج، والخروج في رحلة استكشاف معالم المدينة الساحرة التي تلوّن الأزهار شوارعها وتزيّن ساحاتها، متمرّدة على برودة الطقس والمطر، وكأنما الربيع المتأخّر عن المدينة يسكن روحها فيجعلها مزهوة أبدا.

في الفندق يستقبلك موظّف الاستقبال بكل مودّة ولطف. سمة الشعب السويسري. يعطيك مفتاح غرفتك ويخبرك أن حقيبتك ستصلك بعد قليل. تغريك مساحة الغرفة الشاسعة ووسائل الراحة فيها. تفكّر للحظات، لماذا لا آخذ قسطاً من الراحة قبل موعد العشاء؟ تتوجه نحو الواجهة الزجاجية متوسّطة الحجم، فتطالعك على الشرفة طاولة صغيرة وكرسيين، فتتمنى لو لم تكن تمطر لتجلس في الخارج تتأمل جمال البحيرة وتعيد إلى روحك شيئاً من الطمأنينة والسكينة الذين تفتقدهما في خضم عجقة العمل وضغط المواعيد. لكن في الجهة المقابلة، ما يناديك. شيء ما يشدّك ويدفعك لتحمل المظلة التي يؤمنها الفندق لروّاده وتخرج متحدياً غزارة الأمطار والبرق والرعد، لتبدأ رحلة الاستطلاع والاستكشاف.

كل زقاق وحي وشارع له سحره الخاص. يتعانق فيه القديم والمعاصر في انصهار تام، فلا تجد ما ينفّرك، بل على عكس ذلك، ما يفتتنك أكثر ويجذب انتباهك. وأكثر من ذلك، تجد نفسك تراقب خطواتك المتنقّلة بين الدروب الإسفلتية، وتلك المرصوفة بالأحجار الطبيعية كلوحة فسيفساء يزيد من رونقها العشب الأخضر المتسلّل بينها وقد غسلته مياه الأمطار.

يتوقف المطر للحظات، فتقفل المظلّة. تتلفت من حولك، تجد مبنى صغيراً بداخله لوحات معروضة. تنقل نظرك بينها، بسرعة، لتكمل رحلتك، علّك ترى الكثير من معالم المدينة في ساعة ونصف من الزمن قبل حلول موعد العشاء. تصعد درجاً طويلاً، تتحدّى التعب، تخادع نفسك لترتاح، فتباشر بالتقاط صورة للمكان  من هنا وأخرى من هناك، من دون أن تأخذ لنفسك بعضاً منها لتملأ الألبوم الخاص بتلك الزيارة.

في أعلى الدرج، يطالعك متحف، هو نفسه تحفة قديمة. انتهى فيه موعد الزيارة، لكن الموظفين الودودين عند المدخل يأذنون لك بالتجوال في ساحته والتقاط بعض الصور للمكان، قبل أن يتبرّعوا بالتقاط بعضها لك ولأحد الزملاء،، لتحملها معك ذكرى منهم وعن المتحف، ولو من الخارج فقط.

تشكرهم وتكمل طريقك نحو كنسية تطل باحتها الخارجية على المدينة، فيبهرك قرميد منازلها حيث يمتزج البني بالرتقالي والأحمر. فتحتار بين مغادرة المكان أو البقاء فيه لإشباع نظرك من جمالية اللوحة المُشكّلة تلقائياً بألوان دافئة تضفي دفئاً على حرارة الطقس التي لامست الاثني عشرة درجة مئوية.

تعود أدراجك، سالكاً درباً أخرى، فإذا بمحال لبيع الحلوى وبطبيعة الحال الشوكولاته والساعات. إلى جانبها مكتبة ومتجر لبيع التذكارات وآخر للملابس والأحذية وبجوارهم محلّ لبيع الدراجات الهوائية. تلوح أمام ناظريك موجة من الألوان، فتدنو منها لتجد درجاً طويلاً آخراً تلوّنت عتباته برسومات عصرية تصخب بالألوان، لكن من دون جنوحها نحو التجريد. رسومات وأشكال، تدل على دخول المدينة عصر الحداثة الفنية من دون أن تتخلّى عن ثوبها القديم وإرثها العريق. تشرد فيه قليلاً، وتسرّح نظرك بين الرسومات علّك تفكّ لغزها. لكن رفيقك هنا بجانبك ينذرك: "إنها السابعة والنصف، علينا أن نسرع، فقد اقترب موعد العشاء".

#Neuchatel
#Beaurivage
#Switzerland
#Chocolate
#Watches
#Tourism